الغزالي
74
إحياء علوم الدين
وهذه أسباب الريبة . وكل من وجد ضيافة عند رجل مجهول لم يكن عاصيا بإجابته من غير تفتيش . بل لو رأى في داره تجملا ومالا كثيرا ، فليس له أن يقول الحلال عزيز وهذا كثير ، فمن أين يجتمع هذا من الحلال . بل هذا الشخص بعينه يحتمل أن يكون ورث مالا أو اكتسبه ، فهو بعينه يستحق إحسان الظن به . وأزيد على هذا وأقول ليس له أن يسأله . بل إن كان يتورع فلا يدخل جوفه إلا ما يدرى من أين هو ، فهو حسن فليتلطف في الترك . وإن كان لا بد له من أكله فليأكل بغير سؤال . إذ السؤال إيذاء وهتك ستر وإيحاش ، وهو حرام بلا شك فإن قلت : لعله لا يتأذى . فأقول لعله يتأذى . فأنت تسأل حذرا من لعل . فإن قنعت بلعل ، فلعل ماله حلال . وليس الإثم المحذور في إيذاء مسلم بأقل من الإثم في أكل الشبهة والحرام . والغالب على الناس الاستيحاش بالتفتيش . ولا يجوز له أن يسأل من غيره من حيث يدري هو به ، لأن الإيذاء في ذلك أكثر . وإن سأل من حيث لا يدرى هو ، ففيه إساءة ظن وهتك ستر ، وفيه تجسس ، وفيه تشبث بالغيبة ، وإن لم يكن ذلك صريحا . وكل ذلك منهي عنه في آية واحدة ، قال الله تعالى * ( اجْتَنِبُوا كَثِيراً من الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ولا تَجَسَّسُوا ولا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً ) * وكم زاهد جاهل يوحش القلوب في التفتيش ويتكلم بالكلام الخشن المؤذي . وإنما يحسن الشيطان ذلك عنده ، طلبا للشهرة بأكل الحلال ولو كان باعثه محض الدين لكان خوفه على قلب مسلم أن يتأذى أشد من خوفه على بطنه أن يدخله ما لا يدرى ، وهو غير مؤاخذ بما لا يدرى ، إذ لم يكن ثمّ علامة توجب الاجتناب فليعلم أن طريق الورع الترك دون التجسس . وإذا لم يكن بد من الأكل فالورع الأكل وإحسان الظن . هذا هو المألوف من الصحابة رضي الله عنهم . ومن زاد عليهم في الورع فهو ضال مبتدع ، وليس بمتبع . فلن يبلغ أحد مد أحدهم ولا نصيفه ، ولو أنفق ما في الأرض جميعا كيف وقد أكل رسول الله صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] طعام بربرة ، فقيل إنه صدقة ، فقال ( هو لها صدقة ولنا هديّة ) ولم يسأل على المتصدق عليها ، فكان المتصدق مجهولا عنده ولم يمتنع